الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
175
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
الضرر الأخروي ، والمقصود بالضرر الأخروي إمّا العقاب الموعود من جانب الشارع جزاءً للأعمال ، وإمّا الآثار الوضعيّة القهريّة للعمل الّتي يعبّر عنه بتجسّم الأعمال . فإن كان المراد العقاب الأخروي بالمعنى الأوّل فلا موضوع لهذه القاعدة في المقام ؛ لأنّ احتمال التكليف لا يلازم احتمال العقاب بل الملازمة إنّما هي ثابتة بين التكليف الواصل واستحقاق العقوبة على مخالفته ، فتكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة دفع الضرر عكس ما توهّمه المستشكل . وإن كان المراد من الضرر العقاب الأخروي بالمعنى الثاني فأجيب عنه بأنّ هذه الآثار ليست مترتّبة على نفس الأعمال بل إنّها تترتّب على الإطاعة والعصيان لا غير ، والأفعال الطبيعية الّتي لم توجب إطاعة أو معصية وبعداً أو قرباً لا أثر لها من هذه الجهة . وإن أريد بالضرر ، الضرر الدنيوي ، فأجيب عنه أيضاً بأنّ الكبرى والصغرى كلتيهما ممنوعتان : أمّا الكبرى : فلأنّه ليس كلّ ضرر ممّا يحكم العقل بلزوم دفعه بل هناك أضرار طفيفة يتحمّلها العقلاء لأجل أغراض دنيوية غير ضروريّة وإن كان الضرر من المقطوع فضلًا عن المحتمل . وأمّا الصغرى : فلأنّه ليس مناطات الأحكام دائماً هي الضرر ، بل المصالح والمفاسد الّتي تكون مناطات الأحكام غالباً ، لا تكون من سنخ الضرر ، والذي يلازم احتمال الحرمة إنّما هو احتمال المفسدة لا احتمال الضرر ، ولا ملازمة بين الضرر والمفسدة ، بل ربّ مفسدة توجب المنفعة فضلًا عن الضرر كما في أكل الربا ، وربّ مصلحة توجب الضرر فضلًا عن المنفعة كما في الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى . لكن الإنصاف أنّ الكبرى والصغرى كلتيهما تامّتان في الجملة لا بالجملة : أمّا الكبرى : فلأنّ الأضرار الدنيوية على قسمين : مهمّة وغير مهمّة ، والعقل يحكم